الثلاثاء 2016-02-15 18:16:51 محليات
المعهد الوطني للإدارة العامة.. تجربة غنية وآمال كبيرة
المعهد الوطني للإدارة العامة.. تجربة غنية وآمال كبيرة

سيريانديز- بقلم خالد سنيور

يتحدث الكثير من خريجي المعهد الوطني للإدارة العامة ـ هذه الأيام ـ عن نقل تبعية المعهد من وزارة التعليم العالي إلى وزارة التنمية الإدارية، ويتساءل الكثير عن القيمة المضافة الحقيقية التي يمكن أن تتحقق نتيجة هذا الانتقال، ويتساءل البعض عن أسباب طرح نقل تبعية المعهد لوزارة أخرى.

سنحاول في هذه الوريقة أن نجيب عن هذه التساؤلات بعد التواصل مع عدد كبير من الخريجين والدارسين والمتدربين.

بداية، لا بد من القول إن العدد الأكبر من الخريجين والدارسين لا يحبذون هذه الخطوة، رغم عدم رضاهم عن تبعية المعهد لوزارة التعليم العالي، ولكنهم عندما يخيّرون بين وزارة التعليم العالي ووزارة التنمية الإدارية، فالأغلبية العظمى تفضل إبقاء تبعية المعهد لوزارة التعليم العالي، وهذا مثبت باستطلاعات للرأي، وتواصل مباشر مع مختلف الشرائح المستفيدة.

إذا عدنا للوراء، لما قبل العام 2002، وقبل صدور المرسوم 27 القاضي بإحداث المعهد الوطني للإدارة العامة، نقرأ كيف أن فكرة إحداث المعهد التي بدأت مع وصول السيد الرئيس بشار الأسد إلى سدة الرئاسة، وتوجت بتوقيع اتفاقية مع فرنسا بحضور كل من الرئيسين السوري بشار الأسد، والفرنسي آنذاك جاك شيراك، ليكون المعهد نسخة سورية عن تجربة المدرسة الوطنية للإدارة في فرنسا التي تأسست عام 1945 بمبادرة من رئيس فرنسا المحررة شارل ديغول.

ولو قرأنا في التجربة الفرنسية نجد أن المدرسة الوطنية للإدارة خرّجت معظم رجالات السياسة والإدارة في فرنسا، وما زالت، حتى أن معظم الكادر السياسي والإداري الفرنسي الحالي هو من خريجي هذه المدرسة بما فيهم رئيس الجمهورية.

مع تأسيس هذه المدرسة في فرنسا أحدث ما يسمى (الهيئة العامة للوظيفة العامة DGAFP)، أحدثت هي والمدرسة بنفس المرسوم، وكان من أولى مهامها، تطوير الإدارة في فرنسا، والعمل على النهوض بالموارد البشرية من أجل إعادة بناء فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ وصدف أن كان في بعض الأحيان وزارة تكون من مهامها الوظيفة العامة، لكنها ليست ثابتة، فكانت تختفي كلياً في بعض الأحيان، وتظهر أحياناً باسم وزارة الوظيفة العامة، أو تمارس مهامها ضمن وزارة الموازنة تارة، أو وزارة أخرى، ويمكن القول إن وزارة التنمية الإدارية تتشابه مع وزارة الوظيفة العامة في بعض الأمور، مع اختلاف البيئة والمعطيات.

يتم التعامل في فرنسا مع المدرسة الوطنية للإدارة على أنها مدرسة المدارس، ولها استقلالية كبيرة جداً، ويتم التعامل مع مديرها كوزير له احترامه الكبير لدى كبار الساسة والإداريين الفرنسيين، ولم يتم التعامل مع هذه المدرسة على أنها جهة أكاديمية يوماً، ولا يوجد فيها ما يشير إلى أنها جامعة أو ما شابه، كما حدث في سورية.

فهناك مدير للمدرسة، وليس عميد، ومعروف أن لقب عميد مرتبط بالجامعة.

ليس هناك من كادر تعليمي، أو تدريسي، والكادر التدريسي الوحيد الموجود هم مدرسو اللغات والرياضة.

للمدرسة موازنة مستقلة، وتحظى برعاية وعناية رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء لأنها الخزان البشري للكفاءات الإدارية والسياسية العليا.

إذاً، تم تأسيس المعهد الوطني للإدارة العامة في سورية، على غرار التجربة الفرنسية، وننتظر نفس مخرجاتها، ولكننا لم نعط هذا المعهد ما تم إعطاءه للمدرسة الفرنسية، فربطنا هذا المعهد بوزارة التعليم العالي، وبات عميد المعهد عضو في مجلس التعليم العالي، واشترط فيه أن يكون من أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة، فأخذ المعهد الطابع الأكاديمي، ولكن حتى وزارة التعليم العالي لا تعترف بأكاديمية المعهد، ولم يتم لحظ التأهيل في المعهد في القوانين واللوائح الناظمة، وتم التعامل مع الشهادة العليا في الإدارة العامة بشيء من الغموض، وكانت على الدوام محل مقارنة بالماجستير التنفيذي، مع أن القيمة العلمية للدورة التحضيرية فقط تتجاوز القيمة العلمية لأي ماجستير تنفيذي آخر داخل أو خارج القطر.

انبرى رجال الإدارة السوريين، للغمز من قناة المعهد وخريجيه، وادعوا أنهم ليسوا كخريجي المدرسة الوطنية للإدارة في فرنسا، وأن تأهيلهم غير كاف، وأنهم لا يصلحون للإدارة ... إلى غير ذلك من الكلام الذي تتميز به شعوب الشرق..

هؤلاء الإداريين، لم يتحدثوا عن الظروف التي يوضع فيها الخريج، ولم يطلعوا على التأهيل الذي يحصل عليه الخريج، ولم يتجشموا عناء البحث عن ماهية هذا المعهد، وتناسوا آليات الإسناد الوظيفي في سورية، وتناسوا القوانين واللوائح الناظمة للوظيفة العامة، وتجاهلوا جهلهم بكل ما سبق، وكان الأسهل عليهم أن يغمزوا من قناة المعهد وخريجيه.

مع إحداث وزارة التنمية الإدارية، ومع ظروف الأزمة التي يعاني منها وطننا، ويعاني منها المعهد كغيره من المؤسسات العامة والخاصة، ارتأى البعض أنه يمكن النهوض بالمعهد من خلال نقل تبعيته، معتقدين أن تبعيته لوزارة التنمية الإدارية ستكون أفضل، وستحقق النتائج التي أسس المعهد من أجلها؛ ولكن ألا يدرك من ينادي بهذا الأمر أن الإشكالية ليست بتبعية المعهد، وأن القوة المعنوية لوزارة التعليم العالي العريقة أكبر بكثير من القوة المعنوية لوزارة التنمية الإدارية، إذا تجاهلنا الكثير من الظروف المادية والمعنوية الأخرى؟!

وألا ندرك أن هناك مشكلة أخرى ستنجم عن الارتباط بوزارة التنمية الإدارية هي أن هذه الوزارة  ليست وزارة للوظيفة العامة، أي ليس لها أجهزة لتنظيم وإدارة الوظيفة العامة، وليس لها سلطة سيادية على الوزارات الأخرى، وخير دليل على ذلك أنها ليست مسؤولة عن إعداد قوانين العمل والتشريعات الأخرى التي تخص العاملين في الدولة (حتى الآن مازالت وزارة العمل هي التي تعد هذه المشاريع، وإن كانت وزارة التنمية تشاركها في بعض الجوانب)، ولا ندري إن كانت السياسة العامة للدولة تعمل على أن تكون وزارة التنمية مستقبلاً هي وزارة وظيفة عامة؟ وإن كان هذا التوجه موجود حالياً، وتم ربط المعهد بوزارة التنمية الإدارية، أليس من الممكن أن يتغير هذا التوجه كما في فرنسا ويتم مستقبلاً إلغاء هذه الوزارة؟؟؟

لماذا لا يتم الاستفادة من التجارب العالمية (فرنسا، اسبانيا، تونس، المغرب، الكويت، الأردن)؟ حيث هناك دائماً هيئة، بأجهزة كاملة، مسؤولة عن الوظيفة العامة، وهناك وزارات تأتي وتذهب وتتغير مسمياتها بحسب التشكيلات الحكومية.

يرى الكثير من الخريجين، أن المعهد يجب أن يرتبط بجهة سيادية مركزية، ليستطيع المعهد تأدية دوره الذي أحدث من أجله، ويفضل الجميع أن يكون الارتباط برئاسة الجمهورية، على أن يكون في مجلس الإدارة ممثلين عن رئاسة الوزراء ووزارة التنمية الإدارية ووزارة التعليم العالي، والجهات الأخرى ذات الصلة، وذلك على غرار مركز البحوث العلمية، الذي حقق قفزات كبيرة لارتباطه برئاسة الجمهورية، التي منحته هامش كبير للمناورة، وأعطته قوة معنوية كبيرة، أدت به لتخريج كوادر ممتازة، يشغل عدداً كبيراً منهم مواقع إدارية وسياسية عليا في البلد.

وفي حال عدم إمكانية تنفيذ هذا الطرح في هذه الظروف، فيمكن أن يكون ارتباط المعهد برئاسة الوزراء، ويكون نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات هو رئيس مجلس إدارة المعهد، وفي هذه الحالة يأخذ المعهد قوته من قوة رئاسة المجلس، ويمكن لرئاسة مجلس الوزراء في حينه أن تفرض على الوزارات ما لا يمكن لوزارة التعليم العالي أو وزارة التنمية الإدارية فرضه.

أخيراً، إن المعهد الوطني للإدارة العامة، هو درة مدارس الإدارة في سورية، وعلى مستوى المنطقة، وذلك بشهادة الغريب قبل القريب، وأظن أن الاستقرار في التبعية والإدارة والاستراتيجية أمر هام جداً، والأهم هو الاستماع لخريجيه والدارسين فيه لأن كفاءة غالبيتهم عالية، ويتمتعون بخبرات كبيرة جداً.

 

ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2024