الأحد 2026-02-22 11:37:50 تحقيقات
حملات التبرعات.. أرقام معلنة وحقائق مغايرة
خاص - سيريانديز
لم تكن حملات التبرعات التي انتشرت في المحافظات السورية نهاية عام 2025 مجرد مبادرات عابرة بل بدت في لحظاتها الأولى كموجة تضامن واسعة تعيد إلى الواجهة قدرة المجتمع على التكاتف رغم الضيق المعيشي.. الأرقام التي أعلنت كانت لافتة وتمنح الانطباع بأن المجتمع قادر حتى في أصعب الظروف على جمع مئات الملايين خلال أيام قليلة غير أن هذا المشهد المضيء بدأ يخفت تدريجيا ومع انحسار الزخم الإعلامي بدأت الحقائق تتكشف لتظهر الفجوة بين ما نشر من أرقام وما تحقق فعليا على الأرض.
حملات مليونية.. والواقع مغاير
كانت حملة “حلب ست الكل” المثال الأبرز على هذا الزخم، بعدما أعلنت جمع 426 مليون دولار خلال ثلاثة أيام فقط لتتبعها حملات أخرى في محافظات مختلفة: “فداء لحماة” بـ210 ملايين دولار و“الوفاء لإدلب” بـ208 ملايين و“ريفنا بيستاهل” في ريف دمشق بـ76 مليونا و“أبشري حوران” في درعا بـ44 مليونا و“دير العز” في دير الزور بـ30 مليونا و”السويداء منا وفينا” بـ14 مليونا.
على الورق بلغ مجموع ما أعلن مليار و63 مليون دولار، رقم بدا كفيلا بإعادة رسم ملامح مدن تضررت طويلا لكن هذا المشهد لم يلبث أن تبدل حين أعلن محافظ إدلب قبل أيام وعلى شاشة الإخبارية السورية أن المحافظة لم تتلق من حملة “الوفاء لإدلب” سوى 12 مليون دولار فقط وأن جزءا كبيرا مما قيل كان أقرب إلى التعهدات غير المكتملة منه إلى مبالغ فعلية، ومع هذا التصريح اتضح أن الفجوة بين الإعلان والتنفيذ أكبر مما كان متوقعا وأن كثيرا من الأرقام التي أثارت الإعجاب لم تجد طريقها إلى التنفيذ العملي.
حين تصبح الأرقام أداة معنوية 
تضخم الأرقام لم يكن مجرد خطأ عابر بل أصبح جزءا من طريقة تقديم هذه الحملات، بحسب عدد من الخبراء الاقتصاديين الذين اعتبروا أن الأرقام الكبيرة كانت تستخدم لخلق حالة معنوية لإظهار أن المجتمع قادر على النهوض بنفسه ولإيصال رسالة بأن التضامن الشعبي قادر على سد ما عجزت عنه الإمكانات الرسمية، لكن الحقيقة التي تكشفت لاحقا أظهرت أن كثيرا من هذه الأرقام لم يكن سوى انعكاس لرغبة في رفع المعنويات لا لحجم الأموال المتاحة فعلا.
الخبير الاقتصادي الدكتور سامر العلي كان من أوائل من حذروا من هذا الخلل في تصريح لشبكتنا مؤكدا أن نجاح الحملات "لا يقاس بما يعلن بل بما ينفذ وبمدى وضوح آليات الصرف وشفافية التقارير المالية"، وذهب أبعد من ذلك حين قال إن "غياب الرقابة المستقلة يفتح الباب أمام سوء التوظيف ويجعل من الصعب التأكد من وصول الأموال إلى الأماكن الأكثر حاجة".
أما الخبير نزار خليل فقد وضع إصبعه على الجرح حين اعتبر أن التبرعات "مهما بلغت تبقى ذات قيمة رمزية، لكنها لا يمكن أن تحل محل التمويل الحكومي أو الاستثمارات الخارجية مشيرا إلى أن الاعتماد المفرط عليها قد "يُفهم أحيانا كتنصل من المسؤولية أو كتعويض إعلامي عن غياب خطط اقتصادية واضحة".
التبرعات.. قطرة في بحر الإعمار
حتى لو افترضنا أن كل الأرقام المعلنة صحيحة فإنها تبقى، بإجماع الخبراء، ضئيلة أمام تكلفة إعادة الإعمار التي تتجاوز تريليون دولار بحسب تصريحات أدلى بها وزير الاقتصاد والصناعة في أكثر من مناسبة، وفي هذا السياق يتساءل العلي متسائلا "كيف يمكن لمجتمع يعيش تحت ضغط معيشي خانق وتآكل في القدرة الشرائية وارتفاع غير مسبوق في تكاليف الحياة أن يتحول إلى ممول رئيسي لمشاريع تحتاج إلى مليارات؟ وكيف يمكن لمواطن يكافح لتأمين أساسيات يومه أن يطلب منه أن يساهم في إعادة بناء مدن بأكملها؟".
ويضيف العلي "إن التبرعات مهما بلغت لا تستطيع أن تحمل اقتصادا منهكا ولا أن تعيد بناء بنى تحتية مدمرة، ولا أن تخلق فرص عمل أو تحرك عجلة الإنتاج إنها مبادرات نبيلة لكنها ليست خطة اقتصادية ولا يمكن التعويل عليها كبديل عن السياسات العامة".
ما يحتاجه الإعمار.. رؤية لا حملات
التبرعات تبقى دليلا على روح المجتمع لكنها ليست بديلا عن التخطيط، ما تحتاجه سوريا اليوم بحسب الخبير خليل  "ليس المزيد من الحملات بل رؤية اقتصادية واضحة وبيئة استثمارية مستقرة وشراكات دولية حقيقية وشفافية في إدارة الموارد وآليات رقابة تضمن أن كل ليرة تعلن تصل فعلا إلى مكانها".
فالإعمار لا يبنى على النوايا الطيبة وحدها، ولا على أرقام تتبخر عند أول اختبار، بل على خطط واقعية تعيد الثقة إلى الناس قبل أن تعيد بناء الحجر
ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026