الأحد 2026-03-15 13:00:49 تحقيقات
موجة طرح المنشآت الحكومية للاستثمار.. ماذا يحدث في قطاع النسيج؟
موجة طرح المنشآت الحكومية للاستثمار.. ماذا يحدث في قطاع النسيج؟
سيريانديز - خاص
يشهد قطاع النسيج في سوريا منذ عدة أشهر موجة غير مسبوقة من طرح المعامل والمنشآت الحكومية للاستثمار، وذلك في في مشهد يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل هذه الصناعة التي بقيت لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
فمن مذكرات تفاهم مع شركات أجنبية إلى مزايدات بالظرف المختوم إلى عقود استثمار لوحدات إنتاجية متوقفة تحت عنوان “إعادة الإحياء"، لكن خلف هذه العناوين اللامعة، يبرز سؤال جوهري هل أصبحت منشآت النسيج عبئا على الدولة ؟
منشآت للاستثمار.. وأخرى تغلق رغم ربحيتها
أحدث التطورات في قطاع المنشآت النسيجية تمثل في مذكرة تفاهم وقعتها وزارة الاقتصاد والصناعة الأسبوع الماضي مع الشركة السعودية "كينغدوم ديزاين" المحدودة لإحياء قطاع الصناعات النسيجية بحيث تشمل معملي الخيوط القطنية والنسيج في اللاذقية، ومعمل الساحل /جبلة الحديث/، ومعمل جبلة القديم ومعمل تشرين ومعمل غزل الحسكة ومحلج الحسكة" وذلك بعد أسابيع  على طرح معامل الغزل والنسيج في حلب والمنطقة الوسطى للاستثمار “بالسرعة الكلية"، بينما أعيدت وحدات إنتاجية متوقفة منذ سنوات إلى العمل في المنطقة الساحلية عبر عقود استثمار مع شركات خاصة لكن المفارقة بحسب تقارير اقتصادية حكومية سابقة أن بعض المنشآت التي أغلقت أو طرحت للاستثمار كانت رابحة، فهل أصبح التخلي عن الأصول العامة هو الخيار الأسهل والأقل تكلفة بالنسبة للوزارة؟
بين الفساد والإغلاق
الخبير الاقتصادي جورج خزام الذي شغل قبل ‘دة أشهر منصب مستشار وزير الاقتصاد والصناعة يطرح معادلة صادمة تلخص مأزق القطاع، حيث كتب على صفحته الشخصية في فيسبوك: "هل من الأفضل أن تُسرق نصف أرباح مصنع حكومي، ويبقى النصف الآخر يدخل إلى خزينة الدولة مع تشغيل مئات العمال؟ أم أن يغلق المصنع بالكامل، فتخسر الدولة أرباحه، ويلقى العمال إلى البطالة، ويتراجع الإنتاج المحلي، وتزداد المستوردات لتعويض النقص… فقط لمنع سرقة نصف الربح؟
هذه المقارنة القاسية تكشف أن الإغلاق ليس حلا اقتصاديا بل هروب من مواجهة الفساد فلا يوجد مصنع خاسر بطبيعته بل إدارة فاشلة هي التي تصنع الخسارة.
السبب الحقيقي 
وفق تصريحات سابقة لمدير المؤسسة العامة للصناعات النسيجية فإن معظم شركات القطاع العام متوقفة كليا عن الإنتاج إما بسبب الدمار أو غياب التأهيل، إلا أن خبراء وتقارير اقتصادية محوكمة تتحدث عن أسباب أعمق تتحمل مسؤوليتها الحكومة وهي السماح باستيراد الألبسة الجاهزة من الصين وتركيا بجمارك منخفضة وتوقف زراعة القطن وارتفاع تكاليف الإنتاج، إضافة إلى غياب الإدارة الكفوءة وضعف الرقابة على الفساد مع غياب رؤية صناعية وطنية متكاملة.
هذه العوامل مجتمعة جعلت المصانع تبدو “خاسرة” بحسب الدكتور سامر العلي الخبير في الاقتصاد الكلي حيث رأى في تصريح لشبكتنا أن "السياسات الاقتصادية هي التي صنعت الخسارة، وحتى لو سلمنا بمبدأ الاستثمار فإن المشكلة لا تكمن في هذا المبدأ بحد ذاته، بل في الطريقة التي يدار بها هذا الاستثمار".
ويضيف العلي: "الاستثمار يمكن أن يكون فرصة ذهبية لإحياء قطاع النسيج، لكن عندما يتحول إلى وسيلة للتخلص من الأصول العامة دون خطة واضحة، يصبح شكلا من أشكال الخصخصة المقنعة"، مؤكدا أن كان من الحري بوزارة الاقتصاد والصناعة "عدم طرح المصانع للاستثمار وإنما إعادة هيكلتها وتعيين إدارات محترفة، ووضع سياسات حمائية للصناعة المحلية".
وفي هذا الإطار يرى خبراء كثر أن فتح باب الاستيراد على مصراعيه دون حماية للصناعة الوطنية جعل المنتج المحلي عاجزا عن المنافسة وبالتالي أصبح إغلاق المصانع نتيجة طبيعية لسياسات خاطئة لا لضعف الإنتاج.
 
الأسئلة كثيرة.. والإجابات غائبة
مذكرات التفاهم والاستثمارات الجديدة قد تبدو خطوة إيجابية، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر، هل الهدف هو إحياء الصناعة فعلا؟ أم أن ما يجري هو تفكيك تدريجي للقطاع العام وتحويله إلى قطاع خاص تحت مسمى “الاستثمار”؟ وإذا كانت الوزارة عاجزة عن إدارة مصانع النسيج، فهل الحل هو التخلي عنها؟ أم البحث عن إدارة نزيهة وكفوءة قادرة على إعادة تشغيلها؟
والحقيقة أن المعطيات تقول إن قطاع النسيج السوري الذي كان يوما من أعمدة الاقتصاد الوطني يقف اليوم على مفترق طرق، فإما أن يعاد بناؤه على أسس إنتاجية حقيقية، وإما أن يتحول إلى قطاع مستورد بالكامل، بعد أن كان مصدّرا للمنطقة، لكن المؤكد أن التصفية ليست إصلاحا، وأن الاستثمار ليس بديلا عن الإدارة الرشيدة، وأن مستقبل الصناعة النسيجية في سوريا يتوقف على قرار واحد: هل نريد صناعة وطنية… أم سوقا مفتوحة للمنتجات المستوردة؟
ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026