|
الأحد 2026-04-12 10:54:28 |
إستثمار و أعمال |
| استثمار استهلاكي أم رؤية اقتصادية؟ جدل واسع حول خطة تأجير صالات (السورية للتجارة) |
سيريانديز - خاص
في وقت يبحث فيه السوريون عن أي بارقة إصلاح تعيد شيئا من الثقة بالمؤسسات العامة، أعلنت “السورية للتجارة” عن خطة واسعة لإعادة الهيكلة تتضمن تأجير 500 صالة من صالاتها المنتشرة في المحافظات.. خطوة قد تبدو محاولة للانتقال من الخسارة إلى الربحية، لكنها سرعان ما تحولت إلى محور جدل واسع، بعدما رأى اقتصاديون أنها قد تدفع المؤسسة بعيدا عن دورها الاجتماعي، وتوجه الاستثمارات نحو قطاع استهلاكي لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية، ولا يقترب من القطاعات الإنتاجية التي يحتاجها الاقتصاد السوري للنهوض الحقيقي.
"السورية" تبرر
مدير عام المؤسسة السورية للتجارة، عامر قسوم، قدم عبر وكالة سانا رواية المؤسسة للخطة، مؤكدا أن القرار جاء بعد سنوات من التراجع المالي موضحا أن المؤسسة كانت تعاني من ديون تتجاوز 50 مليار ليرة نتيجة اختلالات سابقة، ما استدعى إطلاق خطة شاملة لإعادة الهيكلة تقوم على “إيقاف الأنشطة الخاسرة والتوجه نحو الاستثمار”.
ورأى قسوم أن البنية الضخمة للمؤسسة غير مستثمرة بالشكل الأمثل، لاسيما أنها تمتلك 1280 صالة وأكثر من 150 مستودعا إضافة إلى أسطول نقل يساهم في توزيع المواد الأساسية. ومن هذا المنطلق، اعتبر أن تأجير الصالات “سيسهم في تحقيق إيرادات مباشرة بالتوازي مع تطوير باقي الصالات ضمن نموذج موحد”.
وأشار إلى أن مدة الاستثمار تمتد لعشر سنوات وفق دفاتر شروط فنية ومالية تشمل خطط تشغيل وتجهيز ودراسات جدوى، مع إعادة توظيف المستودعات كمشاريع استثمارية بالتنسيق مع هيئة الاستثمار السورية. وأكد أن المؤسسة ستستمر بأداء دور رقابي عبر لجان تتابع الأسعار يوميا، وأن نشاط الصالات سيشمل المواد الغذائية والألبسة والأدوات المنزلية والكهربائية “بما يعزز دور المؤسسة في التدخل الإيجابي”.
جدل حول الشفافية… ومشاورات مع شركات أجنبية
لم يوضح مدير المؤسسة ما إذا كانت الشركات المستثمرة محلية أم عربية أم أجنبية إلا أن نائب وزير الاقتصاد لشؤون التجارة الداخلية ماهر الحسن كشف عن مشاورات مع شركات كبرى من السعودية وقطر وتركيا لاختيار شريك لإدارة 500 مركز تجاري.
هذا التصريح أثار مخاوف من دخول شركات أجنبية إلى قطاع يرتبط مباشرة بمعيشة المواطنين وزاد من حدة الجدل الذي لم يقتصر على الجانب الاقتصادي بل امتد إلى قانونية وآلية طرح الصالات للاستثمار، وسط انتقادات لغياب الإعلان الشفاف والمنافسة المفتوحة.
انتقادات حادة
ورغم التبريرات الرسمية، لم تمر الخطة دون اعتراضات حيث رأى اقتصاديون أن تأجير الصالات واستقدام شركات أجنبية لإدارتها يوجه الاستثمار نحو قطاع استهلاكي غير إنتاجي في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوري إلى دعم القطاعات الصناعية الثقيلة والزراعية، لا إلى توسيع منافذ بيع السلع.
الخبير الاقتصادي يوسف بدر أكد هو الأخر ضرورة إشراك الشركات السورية القادرة على فهم واقع السوق المحلي محذرا في تصريح لشبكتنا "من عواقب طرح السورية للتجارة للاستثمار الخارجي"، معربا عن أمله بتنفيذ الخطة وفق رؤية واضحة تعيد تفعيل الصالات الموجودة خارج الخدمة لعلها تسهم في مستوى الخدمات وتخلق فرص عمل جديدة".
وربط بدر نجاح التجربة بتوفير بيئة قانونية وتنظيمية مستقرة وتوحيد آليات التعامل النقدي، بما يمكن هذه المراكز من لعب دور في ضبط فوضى التسعير، مع الحفاظ على توازن مدروس بين السلع الوطنية والمستوردة.
استثمار استهلاكي
الخبير الاقتصادي جورج خزام كان الأكثر صراحة في انتقاده، معتبرا أن الخطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وكتب على صفحته في فيسبوك: “الشركات الأجنبية التي يجري التفاوض معها تمتلك رؤوس أموال ضخمة، وستسعى بطبيعة الحال إلى طرح بضائعها المستوردة داخل هذه الصالات ما يضعف قدرة المنتج الوطني الذي يعاني أصلا من ارتفاع تكاليف الإنتاج".
وحذر خزام من أن إدخال شركات تجارية تسويقية “سيزيد الاستيراد ويضغط على الصناعة الوطنية بدل توجيه الاستثمارات نحو قطاعات صناعية قادرة على خلق فرص عمل حقيقية ودعم الاقتصاد”، مضيفا: “البلاد تحتاج إلى مصانع جديدة، لا إلى صالات جديدة لبيع السلع.”
كما انتقد آلية التأجير نفسها، معتبرا أن الحكومة السورية تكبل يديها عبر “القبض المسبق لبدلات الاستثمار لسنوات طويلة يحرم الخزينة من إيرادات سنوية ثابتة ويقلل من قدرة الدولة على فسخ العقود في حال حدوث مخالفات”.
وتساءل ساخرا: “إذا كانت الوزارة الحالية غير قادرة على إدارة هذه الصالات باحترافية، فكيف نحمل الإدارات السابقة مسؤولية تراجع دور المؤسسة؟ المطلوب رؤية اقتصادية إنتاجية لا مجرد تأجير صالات لبيع السلع.”
المؤسسة أمام اختبار حقيقي
بين رؤية المؤسسة التي تؤكد أنها تسعى إلى “تحقيق التوازن السعري وتعزيز التدخل الإيجابي”، والانتقادات التي تحذر من “تغول الاستثمار الاستهلاكي على حساب الصناعة الوطنية”، تبدو خطة إعادة الهيكلة أمام اختبار حقيقي، ويبقى السؤال مفتوحا: هل ستنجح “السورية للتجارة” في تحويل صالاتها إلى مصدر ربح واستقرار سعري، أم أن الخطوة ستفتح الباب أمام تحديات جديدة تهدد المنتج الوطني وتعيد إنتاج اختلالات سابقة؟
|
|