الأربعاء 2026-04-29 15:54:51 ثقافة ومنوعات
(المنتديات الثّقافية النّسائية) ودورها في الوعي والتّنوير كما يعرضها الدّكتور أنس تللو
سيريانديز ـ نجوى صليبه
يقول كثير من الباحثين إنّ الصّالونات والمنتديات الأدبية العربية، في غالبيتها، أسستها وأدارتها نساء متعلّمات ومثقّفات ومتميّزات لهنّ دورهنّ في نشر الوعي والمعرفة والتّنوير والنّهوض بالمرأة.
وكما يرجّح البعض ظهور أوّل صالون أدبي نسائي في القرن الأوّل للهجرة، يقول الباحث الدّكتور أنس تللو إنّ أقدم صالون أو منتدى ثقافي نسائي يعود إلى العصر الأموي "سكينة بنت الحسين"، التي فتحت دارها أمام الشّعراء والموسيقيين والنّقاد، ويرد في بعض الأبحاث أنّها كانت ترى الحضور أمّا فهم فلا يرونها.
وخلال محاضرته التي قدّمها في المنتدى الاجتماعي بالطّلياني، تحت عنوان "المنتديات الثّقافية النّسائية"، قدّم الدّكتور تللو عرضاً لبعض هذه المنتديات ودورها الاجتماعي والثّقافي والفكري في المجتمع المحلي، كصالون الأدبية السّورية مريانا مراش (1848ـ 1919)، وصالون ماري عجمي (1888 ـ 1965) صاحبة مجلة "العروس" أوّل مجلة نسائية في سوريا، والتي استضافت في منزلها بدمشق أدباء بارزين مثل خليل مردم بيك، وعبد الكريم الكرمي، وفخري البارودي، وشفيق جبري، وغيرهم، كذلك صالون زهراء اليوسف عقيلة محمد علي بك العابد، أول رئيس للجمهورية السورية، وبعدها أسست الأديبة ثريا الحافظ (1911 ـ 2000) صالون "سكينة بنت الحسين".
وتوقّف الدّكتور تللو عند الأديبة نازك العابد التي لم تؤسس منتدى في منزلها، بل كانت حياتها كلّها ـ على حدّ قوله ـ ملأى بالمنتديات والجمعيات الهادفة والبنّاءة، يقول: "كانت ضابطاً في الجيش القديم، ولدت في عام 1887، والدها من أعيان دمشق، ونفسها العظيمة جعلتها تعزف عن مظاهر الوجاهة.. درست مبادئ العربية والتّركية بالمدرسة الرّشيدية في دمشق، وتعلّمت النّحو والصّرف وأصول الكتابة، وحاولت تأسيس أوّل جمعية نسائيّة، لكنّها توقّفت بسبب الحرب العالمية الأولى، ونفيت إلى أزمير وصارت تخدم في المستشفيات بالتّمريض والإسعاف، وكانت تساعد النّسوة اللواتي فقدن أزواجهن وأبناءهن، وكان هذا منتداها، وأصدرت في كانون الثّاني من عام 1920 المجلة النّسائية "نور الفيحاء" التي تهدف إلى نهضة المرأة السّورية، ثمّ أسست "النّادي النّسائي الشّامي" الذي احتضن كلّ النّشاطات التي تتعلّق بالمرأة وتعليمها الاعتماد على نفسها، في جوّ كان سائداً في ذلك الوقت، وبعد ذلك بدأت بتأسيس فرع للصليب الأحمر الدّولي باسم "جمعية النّجمة الحمراء"، وأسند إليها إدارة ملجأ للأيتام، واستمرّت بنضالها عندما جاء الاحتلال الفرنسي، وبعد معركة ميسلون، أخذت تحرّض الأوساط ضدّ الاحتلال الفرنسي، فنُفيت إلى إستبنول وانتسبت إلى الكلية الأمريكية وعادت إلى دمشق، ونُفيت مرّة أخرى إلى الأردن، ثمّ انتقلت إلى بيروت وتزوّجت من الكاتب اللبناني محمد جميل بيهم، وتابعت نشاطها هناك فأسست جمعية "وسيط المرأة العاملة" وظلّت مثالاً حيّاً للمرأة العربية المكافحة، وتوفيت في عام 1959 ودفنت بدمشق". 
ومن الصّالونات النّسائية العربية، كان صالون حبوبة حداد في بيروت (1897 ـ 1957)، أمّا مصر فعرفت المنتديات مع بداية القرن التّاسع عشر، إذ أسست الأميرة نازلي فاضل ابنة الأمير مصطفى بهجت شقيق الخديوي إسماعيل أوّل صالون ثقافي أسسته امرأة داخل "فيلا هنري"، كذلك كان صالون لبيبة هاشم، صاحبة مجلة "الفتاة"، وصالون زينب صدقي، لكن يبقى صالون مي زيادة (1886 ـ 1941) صاحب الشّهرة الأوسع بين الصّالونات الأدبية العربية وقد دام 20 عاماً متواصلةً، ربّما لهذا أفرد له الدّكتور تللو المساحة الأكبر من حديثه، يقول: "صالون مي زيادة الأدبية والمرهفة لم يكن عادياً، بل تميّز بأنّ روّاده من أكابر الشّعراء أمثال عباس محمود العقّاد ومصطفى عبد الرّزاق وولي الدّين يكن، وكانت مي زيادة تطرب لأنغام الأحزان، ومع فتحها باب الصّالون كانت تفتح باب قلبها الوديع وروحها المتوثّبة، وكانت مي الفتنة الأولى والطّاغية في هذا الصّالون الأدبي".
وتطرّق الدّكتور تللو إلى قصص الحبّ والعشق التي كانت تنشأ في هكذا ملتقيات، يقول: "في المنتديات كانت تحدث قصص العشق والحب، فالشّاعر في هكذا أماكن يعطي أقصى ما لديه.. ولي الدّين أحبّ مي وطغى عليه الهوى حتّى أعماه، لكنّ حبّ مي الحقيقي كان للشّاعر الذي لم تراه جبران خليل جبران". 
الحديث عن صالون مي زيادة وقصّة حبّها لجبران خليل جبران حوّل ما تبقّى من النّدوة إلى منحى آخر، هو الحديث عن الحبّ والغوص في درجاته من حبّ وهيام ووله، فتركّزت مداخلات الحضور من أدباء ومهتمّين بالشّأن الثّقافي والاجتماعي على أهمية الحبّ في حياة الإنسان عموماً، ربّما هذا ما ينقصنا ونتطلع إليه اليوم في ظلّ كل ما نعيشه من أزمات.
ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026