سيريانديز ـ نجوى صليبه
أتذكّر اليوم عبارة "لا يوجد كاسيت هاني شاكر ولا نانسي عجرم" التي كتبها وعلّقها ـ منذ سنوات طويلة ـ صاحب محل للتّسجيلات في دمشق القديمة، وكنت كلّما مررت بهذا المكان قلت: "لن أتوقّف كثيراً عند نانسي، لكن هاني شاكر هل يوجد عاشق لا يحبّه؟ هل يوجد محبّ للطّرب لا يسمعه؟".. أسئلة بقيت من دون أجوبة كالحزن الذي كان مخيّماً على غالبية أغنياته، والذي كان بعيداً عن شخصيته وطبيعته المرحة والمحبّة للحياة وللنّاس والأصدقاء والزّملاء قديمهم وحديثهم، فمن النّادر أن شاهدناه في لقاء تلفزيونية وهو يتحدّث بالسّوء عن فنّان ما، في المقابل كثيراً ما سمعناه يغنّي لزملائه أغنية أحبّها، فسمعناه يغنّي لميادة الحنّاوي ولملحم بركات وغيرهما ولعبد الحيلم حافظ، أي لم يمنعه تاريخه العريق والأصيل من أداء أغنية زميل ما وإعطائها من إحساسه المرهف سحراً خاصّاً.
اليوم يرحل عنّا أمير الغناء العربي وآخر عملاقة الطّرب العربي الأصيل، ليختم مسيرة فنيّة طويلة بدأها بدراسة الموسيقى في كلية التّربية الموسيقية بالزّمالك، وأتبعها بأوّل ظهور تلفزيوني له من خلال فيلم "سيّد درويش 1966"، وفيه أدّى شخصية سيّد درويش في صغره، أمّا أوّل من اكتشف صوت هاني شاكر فكان الموسيقار محمّد الموجي عندما غنّى له "حلوة يا دنيا" في عام 1972، وبعدها كانت أغنيته "كده برضه يا قمر" في عام ١٩٧٤كلمات صلاح فايز وألحان خالد الأمير، والتي حققت نجاحاً باهراً آنذاك.
أنجز هاني شاكر تسعاً وعشرين ألبوماً، وتجاوز عدد أغنياته الستمائة أغنية، نذكر أكثرها شهرةً "يا ريتك معاي" و"حكاية كل عاشق"، و"مشتريكى ما تبعيش" من كلمات صلاح فايز وألحان الموسيقار محمد سلطان، و"بعشق ضحكتك 1984" للشاعر عبد الرحمن الأبنودي وألحان جمال سلامة، كذلك غنّى كلمات الأبنودي "يا أم العيون حزينة" و"اتمدت الإيدين" و"علّي الضحكاية" تلحين سامي الحفناوي، وفي عام 2010 صدر ألبوم "بعدك ماليش"، وبعد غياب ست سنوات صدر له في عام 2016 ألبوماً آخر بعنوان "اسم على الورق".
لكن ما ينساه البعض هو تجربته المسرحية والسّينمائية، إذ شارك في عام 1973 في فيلم "عندما يغنّي الحبّ" مع عادل إمام وصفاء أبو السّعور، وفي عام 1975 في فيلم "هذا أحبّه وهذا أريده، وفي المسرح قدّم مسرحية "سندريلا والمدّاح" في عام 1974.
عُرف هاني شاكر بحرصه الشّديد على الارتقاء بالفنّ، وهذا ما لمسه المواطن المصري خصوصاً والعربي عموماً، عندما فاز بمقعد نقيب الفنّانين في مصر، إذ تصدّى لكثير من الأمور الخارجة عن المبادئ والقيم المجتمعية، وفي عام 2019 منع عدداً من مغنّي المهرجانات من الظّهور لكونهم ليسوا أعضاء في النّقابة، وأتبع قراره ببيان جاء فيه: "إنّ النّقابة تخشى أن يكون بينهم من يخفي أغراضاً أخرى لا تمتّ للفنّ بصلة، بل قد تسيء إلى أمن الوطن".
أقام هاني شاكر حفلات عدّة، وكان من جميلها الحفلين الذين أقامهما في عام 2022 بدار الأوبرا بدمشق بعد غياب دام خمسة عشر عاماً، حبّ قابله الضّيف العزيز بحبّ أكبر، عبّر عنه فور وصوله إلى دمشق إذ قال: "اللي أنا شايفه من ساعة ما نزلت أرض سوريا الحبيبة. سعادة كبيرة وشرف كبير لي ووسام على صدري ..أنا أعتبر إن النهاردة في بداية فنية جديدة لي.. من كتر حب شعب سوريا الحبيب"، كما عبّر عن خوفه حينها من التّدافع وحالات الإغماء بسبب الازدحام الذي حصل من أجل الحصول على التّذاكر.
وكما استقبله السّوريون حينها بحبّ قلّ نظيره، يودّعونه اليوم بحبّ وحزن قلّ نظيرهما أيضاً، إذ عجّت وسائل التّواصل الاجتماعي بمنشورات الوداع واستحضار الذّكريات والأغنيات المفضّلة، وصار الـ"فيسبوك" أشبه بخيمة عزاء، يرتادها المعزّون والمحزونون على رحيل وفراق آخر عنقود زمن عمالقة الغناء العربي، وهم يرددون: "نسيانك صعب أكيد".