سيريانديز ـ نجوى صليبه
عبر التاريخ، اندثرت دول، ونشأت أخرى، لكن تبقى الدول التي خرجت من تحت ركام الحرب مثال التحدي وإعادة البناء على كل الصعد.
ومن هذه الدول، اليابان التي اتخذها الأستاذ مازن سليم، مدير المركز الإسلامي في توياما باليابان، أنموذجاً للدراسة التي قدمها في المركز الثقافي في كفرسوسة تحت عنوان: من الدمار إلى الازدهار.. كيف تحولت اليابان إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد خسارة الحرب العالمية".
استعرض سليم تفاصيل التجربة اليابانية، بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية لتحقق المعجزة اليابانية وتتجاوز الدمار الهائل الذي أنتجته الحرب وقنبلة هيروشيما وناغازاكي.. المعجزة اليابانية التي لم تقف عند حدود إعادة بناء الحجر والمصانع، بل بدأت من الإنسان، من التعليم والانضباط، ومن المصالحة الداخلية التي حولت الهزيمة إلى طاقة دفع نحو المستقبل.
وأكد سليم أن النهضة اليابانية لم تكن وليدة الموارد الطبيعية، بل ثمرة رؤية استراتيجية طويلة المدى، وثقافة جماعية جعلت من العمل قيمة وطنية راسخة، فاليابان بعد الحرب كانت في دمار شامل.. مدن محروقة، واقتصاد مشلول، أزمة هوية وثقة اجتماعية،
والمفاجأة كانت بتحول اليابات إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي، ليس فقط بالصناعة بل عبر نهضة فكرية وثقافية فكرتها الأساسية: النهضة تبدأ بالإنسان قبل الحجر، بالوعي قبل الاقتصاد، وبالثقافة قبل الموارد.
وسلّط سليم الضوء على الدروس المستخلصة من التجربة اليابانية وأولها أن سبب النهضة اليابانية هو جعل الإنسان أولاً فيها، والتعليم والانضباط أساس النهضة، والمعلم والمدرسة قبل المصنع.. في المعجزة اليابانية تحولت الطاقة من الانتقام إلى البناء، ودمج الجنود في المجتمع، فأسست الدولة القوية والعادلة مؤسسات تحمي القانون وتكافح الفساد، كما تأسست الكثير من الشراكات مع القطاع الخاص.
وبيّن سليم أنه على الرغم من الموارد المحدودة لليابان كان الاستثمار في العقل والمعرفة، والتدرج من الصناعات الخفيفة إلى الثقيلة، مضيفاً أن اليابان جعلت الزراعة قاعدة النهضة من خلال دعم الفلاح الصغير وتأمين الغذاء لاستقرار المجتمع، وكانت الصناعات والجودة اليابانية في المقدمة فهي من خلال الصبر، التدرج، والابتكار المستمر مع الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم...
وخلص سليم الى أن اليابان نهضت لأنها امتلكت رؤية استراتيجية، انضباطاً مجتمعياً، وثقافة احترام الإنسان، وأنه بإمكان سوريا التعلم من هذه التجربة عبر إصلاح التعليم، وتحقيق المصالحة، وبناء مؤسسات قوية، والاستثمار في الإنسان، ودعم الزراعة، ومحاربة الفساد، مؤكداً أن النهضة ممكنة، لكنها تحتاج صبراً طويلاً واستراتيجية دقيقة.
وبالسّؤال عن أنشطة المركز في اليابان أجاب سليم بأن عمل المركز في اليابان كان من خلال دعم أبناء الجالية السورية ونشر ثقافة التعايش وتوضيح صورة الإسلام، كما قدم المركز الكثير من المحاضرات في المراكز المجتمعية ومعارض صور عن سورية وعن الأزمة السورية التي توضح حقيقة ما كان يجري حيث كان ينظر للأمر على أنه حرب أهلية، أيضاً تعليم اللغتين العربية والإنكليزية لليابانيين، مضيفاً أن جهود المركز مرحب بها جداً في اليابان، وأن المركز كُرّم، مؤخراً، بشكل رسمي، ليكون بذلك أول مركز إسلامي يكرم رسمياً في اليابان.
وأعلن سليم عن خطوات عملية للمركز في دمشق، من خلال الشروع بترخيص جمعية خيرية من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تُعنى بدعم مشاريع تنموية صغيرة ومدروسة، لتكون نواة لنهضة مجتمعية محلية.
ويتطلع سليم في الأيام القادمة إلى تقديم هذه المحاضرة في أكثر من محافظة لنشر التجربة اليابانية والاستفادة منها في الواقع السوري، كمحاولة لزرع بذور أمل في أرض سورية المثقلة بالتحديات... الرسالة التي حملها من اليابان إلى دمشق واضحة وهي أن النهضة تبدأ من الإنسان، من المصالحة والسلام، ومن العمل الجماعي المدروس، وبينما تتشابك الأزمات في سوريا، يظل السؤال مفتوحاً أمام الجميع: هل يمكن أن تتحول الدروس اليابانية إلى واقع سوري؟ الإجابة رهن بالإرادة، وبالقدرة على تحويل الألم إلى قوة، والدمار إلى فرصة جديدة للحياة.
يذكر أن مازن سليم، سوري مغترب في اليابان منذ أكثر من عشرين عاماً، حمل سوريا في قلبه وروحه ليعايش اليابانيين ويومياتهم عن قرب، ثم يؤسس المركز الإسلامي في توياياما باليابان ليكون هذا المركز من أبرز المؤسسات التي جمعت بين العمل الإنساني والدعوي والثقافي داخل اليابان وخارجه، حاملاً معه رسالة التعايش ونشر صورة الإسلام الحقيقية في المجتمع الياباني.