كتب : حازم شعار
كأي ابن لمدينة حماة يعيش في المغترب، أتابع باهتمام كل ما يخص مدينتنا وأهلها، وخاصة نهر العاصي ونواعيره التي تمثل هوية المدينة. ومن هنا، تابعتُ بعين الصحفي مشروع مجلس المدينة حول تنظيم حرم نهر العاصي، واستبشرتُ خيراً بالرؤية الميدانية التي نشر تفاصيلها مؤخراً الصديق المهندس Murhaf Erhaiem حول هذا المشروع الحيوي، والذي يشرف عليه الصديق المهندس ياسين قندقجي، عضو المكتب التنفيذي في مجلس المدينة، وهو من المهندسين المتميزين والميدانيين المشهود لهم بالعمل المتابعة الدقيقة، كما ذكر الصديق مرهف فعلاً.
إن ما يتم العمل عليه حالياً من إنهاء للتعديات وإزالة العشوائيات والصفيح المعدني المشوه للمظهر العام في ساحة العاصي، تمهيداً لفتح أفق بصري متكامل يمتد من النواعير الأربعة وحتى حي الطوافرة الأثري، خطوة هامة في الاتجاه الصحيح لإظهار الطابع الأثري للمدينة، وتأمين جلسات ومقاعد عامة للمواطنين وسط المسطحات المائية وأحواض الزهور.
هذه الخطوة تعيدني بالذاكرة إلى الصيف الماضي، وتحديداً إلى زيارتي الأولى لسورية بعد غياب دام 13 عاماً، حيث جمعتني في حماة جلسة حوارية غنية بالمهندسين مرهف ارحيم وياسين قندقجي، بمعية الدكتور المهندس Dr-Eng Nazih Hajzein وبحضور نخبة من أبناء المدينة الغيورين الذين كان بعضهم جزءاً من مجلسها المحلي قبل أن تدفعهم ظروف الحرب للهجرة. في تلك الأمسية، دار جزء من النقاش حول واقع المدينة الخدمي، وفرص التطوير المتاحة. ومن واقع إقامتي وعملي الصحفي في دولة الإمارات أجد أن المسؤولية المشتركة تدعونا جميعاً للمساهمة بالأفكار، ومن هنا أدعو مجلس مدينة حماة والقائمين على المشروع للاطلاع والاستفادة من تجربة الإمارات في كيفية إدارة واستثمار الواجهات المائية، لعلها تشكل رافداً مكملاً للجهود المبذولة على الأرض.
تعتمد تجربة الواجهات المائية في الإمارات على تحقيق التوازن الفعلي بين التنظيم الجمالي والعائد الاستثماري التنموي، وهو ما تحتاجه ضفاف العاصي لضمان استدامة المشروع. ويتحقق ذلك أولاً من خلال تنظيم المشاريع الصغيرة وتوفير بدائل نظامية ومدروسة للمخالفات المزالة، عبر تصميم أكشاك وعربات طعام ذات طابع موحد وأنيق تخضع لإشراف البلدية، مما يتيح فرص عمل حقيقية ومنظمة للشباب، ويؤمن في الوقت ذاته عوائد مالية مستمرة للمجلس تدعم تكاليف الصيانة الدورية للمرفق. كما تركز التجربة على البنية التحتية والمساحات الحيوية عبر إيجاد ممرات مشاة آمنة ومنعزلة عن حركة السيارات، مع استغلال المساحات المفتوحة المجاورة للنواعير لإقامة أنشطة ثقافية وأسواق دورية ترتبط بهوية المجتمع المحلي وتجعل من الموقع مركز حركة دائم.
الجهود المبذولة لتنظيم حرم النهر وإظهار خصوصيته الأثرية أرضية ممتازة لكن نجاحها الحقيقي واستدامتها يرتبطان بمدى انفتاحنا على التجارب الإقليمية الرائدة ومحاكاتها بذكاء. لذلك، أجدد الدعوة الصادقة لمجلس مدينتنا للاطلاع على هذا النموذج الاستثماري والخدمي الذي سيحمي هذه المساحات من العودة إلى العشوائية، ليصبح العاصي واجهة تنموية وحضارية متكاملة تخدم حماة وأهلها بالشكل الذي يستحقونه.