سيريانديز ـ نجوى صليبه
تعود علاقة القاصّ والرّوائي عبد الله النّفاخ بالرّوائي الرّاحل نجيب محفوظ ـ كما يقول ـ إلى ما يقارب عقداً من الزّمان، لكنّه ولأسباب عدّة لم ينشغل بأدبه أو يكتب عنه، ويخلص هذه الأسباب بـ"الدّعاية التي كان لها دورها في صدّي وصدّ كثيرين عنه، فلقد صُوّر على أنّه المجترئ على المقدسات الدّينية، كما صُوّر على أنّه المؤيّد لاتّفاقية السّلام والتّطبيع مع الكيان الصّهيوني، لذلك مُنح نوبل، وصوّر كذلك على أنه من أنصار الواقعية في الأدب وسالكي نهمها، وقد صدّني ذلك عنه لميولي الرّمزية والرّومانسية.. وما زلت أعرض عنه حتّى هممت بخوض أوّل تجربة روائيّة لي، فأصرّ أحد أصدقائي الخلّص أن أقرأ روايته "القاهرة الجديدة" وأستفيد منها، لما فيها من تحليل نفسيّ عميق للشّخصيات يوافق هواي، وما أرغب أن أعمل فيه في تجربتي تلك.. وكانت تلك بوابة ولوجي إلى عالم نجيب محفوظ، ومنذ الصّفحات الأولى للرّواية المهمّة تغيّرت نظرتي كليّاً للعم نجيب".
ويتابع: "مالت الشّمس عن كبد السّماء قليلاً ولاح قرصها من بعيد فوق القبة الجامعية الهائلة كأنّه منبثق عنها على السّماء أو عائد إليها بعد طواف"، ويتساءل: أين الواقعية الجافّة في هذا الرّسم الشّاعري والوصف البهي؟"، وهكذا تعمّق في الرّواية الأيقونة، إلى أن قدّم "تأمّلات بأدب نجيب محفوظ" بالمركز الثّقافي العربي في الميدان، مساء أمس، يقول: "تقوم هذه الرّواية ـ أي القاهرة الجديدة ـ في مركزيتها على شخصيتين أو ثلاث: علي طه ومحجوب عبد الدّائم ومأمون رضوان، كلّ منهم يمثّل اتّجاهاً في الحياة والمجتمع، ومع بداية الفصل الثّاني من الرّواية حدّد لنا العمّ نجيب توجّه كلّ واحد منهم، فالأوّل يساريّ اشتراكيّ والثّاني لا يبالي إلا بمنفعته ولا يقيم وزناً لقيمة أو مبدأ، والثّالث إيماني إسلامي، وعلى امتداد أحداث الرّواية نرى محجوباً يصارع ليصل إلى ترقيته، فيحقّق كثيراً ممّا يبتغي على سلّم مبادئه وقيمه، بل وشرفه، إذ ارتضى أن تكون زوجته خليلة للوزير مقابل منفعته"، إلى قوله: "ويرسم لنا العمّ نجيب أقسى مشاهد الفضيحة على لسان والد محجوب الذي اكتشف حقيقة ابنه الدّيوث على حين غرّة وعلى نحو فجائعي، ويرسم محفوظ إسقاط الفضيحة على الأب بصورة فيها شيء من التّطهير الأرسطي، أو المعادل الموضوعي، فالمعبّر عن خيبة محجوب الكبرى التي كانت خيبة والده فيه.. لكنّ محجوباً المتخلّي عن كلّ شيء في سبيل مصلحته كان قد أمات ضميره أو أن ضميره قد تموّت على يد تسلّقه وانبطاحيته، فلم يشعر بندم أو خطأ في ما فعله كله، بل عاد إلى ترداد عبارته الأثيرة "طز" على الرّغم ممّا حاق به من خسران وخيبة وفضيحة.. لكنّ الرّواية لم تنته هنا، بل كانت نهايتها مفتوحة بين أصحاب المبادئ ولاسيّما علي طه ومأمون رضوان اللذين أسيا على ما حلّ بصديقهما القديم وزوجه، لكنّهما استمرّا على خلافهما المبني على الأرضية الفكريّة لكلّ منهما".
ثم ينتقل النّفاخ إلى العمل الذي يراه من أكثر الأعمال الأدبية التي قرأها أهميّة وهي ثلاثية (بين القصرين ـ قصر الشّوق ـ السّكرية)، يقول: "في هذا العمل الفخم يجول العمّ نجيب بين نفوس النّاس في المجتمع المصري من مطلع القرن الماضي إلى أربعينياته، فيرسم صوراً مختلفة لها ولعقول أصحابها ضمن أسرة واحدة، لكنّها تعطي صورةً كاملة لمصر.. تبتدئ الثّلاثية بـ"أمينة" زوجة السّيد "أحمد عبد الجواد الوفية وتنتهي بها.. كان السّيد هو البطل لكنّ وفاته لم تكن النّهاية، بل وفاة أمينة، ولم يكن هو الظّاهر عند البداية، بل أمينة.. ألهذا معنى أو دلالة سوى أنّ أمينة هي مصر؟..مصر القديمة البسيطة والطّيبة والقانعة والوادعة والخاضعة التي تحتوي الجميع"، ويرى النّفاخ أنّ أجمل وأعمق أجزاء الثّلاثية هو الجزء الأخير "السّكرية" ففيه نضجت الشّخصيات وظهر الجيل الجديد ـ الأحفاد ـ الأكثر انفتاحاً وثقافةً وبدأت الأحداث تتّخذ مسارات فكريّة جديدة ومختلفة.
وفي "أولاد حارتنا"، يقول النّفاخ: "الرّواية الأشدّ إشكالية وأشدّ الأعمال الأدبيّة العربيّة إثارةً للّغط في القرن الماضي وفي هذا القرن.. الرّواية حمّالة للأوجه ولتعدد القراءات، وتقوم على الحارة التي خرج منها أبناؤها كلّهم من صلب جدهم "الجبلاوي" الذي (عمّر فوق ما يطمح إنسان أو يتصور حتى ضُرب المثل بطول عمره واعتزل في بيته لكبره منذ عهد فلم يره منذ اعتزاله أحد).. لهذه العبارات وغيرها فُهم أنّ المقصود بـ"الجبلاوي" رمزيّة الذّات الإلهيّة، لكنّ هذه العبارات لا تحتمل تأويلاً آخر؟"، إلى قوله: "لكنّ الفصل الذي فجّر المشكلة، هو الفصل الأخير الذي يتحدّث عن "عرفة" المصلح الأخير الذي لم يرسله الجبلاوي بل كان يحمل بذرة التّمرّد التي دفعته إلى إعلان دعوته لإصلاح الحارة من دون توجيه من "الجبلاوي"، فقرر أن يقتحم بيت جده العظيم وهناك يكتشفه أحد الخدّام فيعتدي عليه "عرفة" ويعتقله، وفي اليوم التالي ينتشر خبر وفاة "الجبلاوي" تأثّراً على حادثة اقتحام قصره وسرقته التي لم يحتملها جسده وذهنه العجوزان.. موت "الجبلاوي" عقدة الرّواية، وطبيعي أن يتشنج كلّ من يقرأ هذه الفقرة ويسخط إذا كان يراه رمزاً للذات الإلهية، بل إنّني أذهب أبعد إلى أن كثيرين توقّفوا عن متابعة النّصّ بعد هذه الفقرة المشكلة.. لكن لو قرأنا رمزيته على غير ذلك وهو ما توحي به بقية أحداث الرّواية لوجدنا لها معنى آخر... لقد عاش "عرفة" قلقاً أشدّ القلق متخبطاً أشدّ التّخبّط بعد فعلته، وبات يتقلّب ما بين معاناة ومعاناة على الرّغم من تحسّن أحواله ظاهراً".
ويضيف النّفاخ: "عرفة يرمز إلى العلم وقد قتل الجبلاوي، لكنّه عاش حياته مشتتاً مقهوراً من بعده أفلا يمكن فهم الجبلاوي على أنه رمز للغيبيات أو الدّين لا الذّات الإلهية، وعليه فإنّ العلم لمّا تجاوز الدّين وتخطّاه لم يأت إلا بنجاح ماديّ ظاهر، وخسران وألم داخليين معنويين، يمزّقان صاحبهما تمزيقاً.. ثمّ إنّ الرّواية تنتهي بمقتل عرفة كذلك، فلم لم يتوقّف القارئون عند ذلك كما توقّفوا عند مقتل الجبلاوي ليجدوا للأحداث معنى أو تأويلاً آخر؟.. لو كانت غاية الرّواية كما رأى كثيرون انتصار العلم وقتله للإيمان فلماذا انتهت بمقتل عرفة مدفوناً وهو حي؟، أليس هذا يعني موت العلم كذلك؟. شخصياً أرى هذا نصّاً كبيراً مفتوحاً على التّأويل لكنّني أرى كذلك أنّ تأويله بالطّريقة التي انتشرت في النّاس فيه سوء ظنّ أتى من قبل النّصّ نعم، لكنّه لم يأت من قبل القراءة الأخيرة المحكمة له، وإن شئتم راجعوا الرّواية ولاسيّما فصلها الأخير الخاصّ بعرفة".