سيريانديز
في زمن باتت فيه شبكة الإنترنت شريانا أساسيا للحياة اليومية يواصل السوريون خوض معركة يومية مع خدمة تتراجع سرعتها حتى تكاد تزحف زحفا متجاهلة احتياجات الناس ووعود الجهات المسؤولة، فمنذ أسابيع بلغ البطء مستوى غير مسبوق، ليشمل كل أنواع الاتصال: من خدمة السورية للاتصالات إلى شبكات سيريتل وأم تي أن وصولا إلى الإنترنت الفضائي الذي كان نظر إليه الكثيرون كطوق نجاة… فإذا به يلتحق بركب الأعطال والتذبذب والانقطاع.
بطء مزمن… وتدهور متسارع
لم يكن السوريون يتوقعون أن تتحول سرعة الإنترنت إلى “سلحفاة هرمة" بالكاد تتحرك، صحيح أن المشكلة ليست جديدة لكنها تفاقمت بشكل واضح خلال الأسبوعين الأخيرين حتى بات المستخدمون يتحدثون عن خدمة لا تختلف كثيرا بين من يدفع لأعلى سرعة ومن يكتفي بالحد الأدنى.
ومع أن كثيرين لجؤوا إلى الإنترنت الفضائي هربا من سوء الخدمة الأرضية، إلا أن هذا الخيار لم يكن أفضل حالا. فالتقلبات الجوية والأمطار الغزيرة والضباب الكثيف والعواصف الرعدية وحتى اهتزاز الأبراج كلها عوامل ساهمت في إضعاف الإشارة وتقطعها، بحسب ما يؤكده خبراء الشبكات.
وزارة الاتصالات… تبرؤ من الأسعار وصمت عن الجودة
عندما قررت شركات الخليوي رع أسعار باقات الإنترنت قبل شهرين بحجة “تحسين الخدمة”، أصدرت وزارة الاتصالات والتقانة بيانا أعلنت فيه أنها “غير مسؤولة عن الأسعار” لكنها في الوقت نفسه تعهدت بمتابعة جودة الخدمة، واليوم، وبعد أسابيع من التدهور يتساءل السوريون: أين هي هذه المتابعة؟ وما الجدوى من رفع الأسعار إذا كانت الخدمة تزداد سوءا بدلا من التحسن؟ باختصار: السوريون يريدون جوابا بسيطا، متى يصبح الإنترنت في سوريا خدمة حقيقية، لا مجرد شعار؟
شهادات تكشف عمق الأزمة
تتنوع الحكايات لكن الوجع واحد، فـسامر الموظف الذي يعتمد على الشبكة لإنجاز عمله يصف الإنترنت في تصريح لشبكتنا بأنه “عبء يومي”، إذ تتحول أبسط مهمة كإرسال بريد إلكتروني إلى رحلة انتظار طويلة، وكأن الزمن يعود به إلى بدايات الاتصال الهاتفي، أما رنا، طالبة جامعية، فتروي معاناتها مع المحاضرات الإلكترونية التي تتحول إلى مشاهد متقطعة وصوت يتلاشى وصورة تتجمد واتصال ينقطع بلا سابق إنذار لتجد نفسها في سباق خاسر مع متطلبات الدراسة.
ويقول أبو محمد الذي يعمل في محل متواضع لصيانة الأجهزة الإلكترونية أنه يفكر جديا بإغلاق محله بسبب سيل الشكاوى التي يسمعها يوميا من الزبائن مضيفا النت الأرضي بطيء، والخلوي مكلف وبطيء أيضا، والفضائي يتعثر مع أول غيمة، بينما تقول ليلى، الموظفة في شركة خاصة “ندفع مبالغ كبيرة لقاء باقات الإنترنت لكن الخدمة لا توازي جزءا مما ندفعه”، وعلى وزارة الاتصالات الوفاء بوعدها وممارسة رقابة حقيقية على جودة خدمة الانترنت.
أما حسام، الذي لجأ إلى الإنترنت الفضائي بحثا عن حل فيقول "أن خيبته كانت أكبر من توقعاته، فمع المطر والضباب تتقطع الإشارة ويشعر أن “الإنترنت في سوريا مصاب بعدوى لا علاج لها" بينما تقول ميس، صاحبة مشروع منزلي، عبارة تختصر الكثير: “حين ينقطع الإنترنت، ينقطع رزقي، إن الاستقرار في الخدمة ليس رفاهية، بل شرط أساسي لاستمرار عمل فئات كثيرة من السوريين".
خبراء: الطقس عامل، لكن ليس كل القصة
يؤكد الفنيون أن الأمطار والثلوج والضباب تؤثر على الإشارة وفي هذا السياق يقول المهندس محمود القاسم اختصاصي الشبكات في تصريح لسيرياديز أن “امتصاص الموجات” ظاهرة طبيعية ولكن التركيب الجيد واختيار الترددات المناسبة والصيانة السريعة يمكن أن تقلل من الأعطال بشكل كبير أي أن جزءا من المشكلة تقني لكن جزءا آخر مرتبط بالإدارة والرقابة وجودة البنية التحتية.
أزمة تتطلب اعترافا قبل الحل
الإنترنت في سوريا لم يعد مجرد خدمة ترفيهية بل ضرورة اقتصادية وتعليمية واجتماعية، ومع ذلك ما يزال السوريون يتعاملون مع شبكة متقطعة بطيئة ومكلفة دون رؤية واضحة لتحسينها وإذا كانت وزارة الاتصالات قد تبرأت من مسؤولية الأسعار فإن مسؤولية جودة الخدمة ما تزال في ملعبها، والسؤال الذي يردده السوريون اليوم: متى يصبح الإنترنت في سوريا حقا أساسيا… لا معاناة يومية؟